من أوجه الإعجاز العلمي في التيمم

من أوجه الإعجاز العلمي في التيمم

من أسرار القرآن :

(375) (... وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُواًّ غَفُوراً *).

(النساء:43).

بقلم

الأستاذ الدكتور/ زغلول راغب النجار
بقلم : د زغلول النجار - التاريخ : 2011-01-01

وصف ربنا- تبارك وتعالى- الماء النازل من السماء بأنه (طهور) فيقول: (... وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً *) (الفرقان:48). ويصف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- التراب بأنه (طهور) وذلك بقوله الشريف " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا", والطهور هو ما يتطهر به أو هو الطاهر المطهر. والتراب هو أدق ما ينتج عن تعرية الصخور حتى يصبح قطر حبيباته أصغر من 1/256 مم, ولذلك يحتمي العديد من الكائنات الحية الدقيقة في التراب حتى لا تدرك. وفي حفنة من التراب يمكن أن يعيش مئات الملايين من الكائنات الدقيقة التي تلعب أدوار هامة في تنظيف الأرض من البقايا النباتية والحيوانية الميتة, أو في تزويد جذور النباتات ببعض المركبات الكيميائية المغذية والمعقمة اللازمة لحياتها وذلك من مثل أكاسيد النيتروجين. وبحكم تعدد وتباين الكائنات التي تحيا في التراب أصبح التراب مادة معقمة مهمة في الطبيعة تقوم بالقضاء على أعداد من الجراثيم التي يعجز عن إزالتها كثير من المضادات الحيوية المعروفة, ولذلك توجهت أنظار العلماء إلى استخراج عدد من هذه المضادات من تراب الأرض.

من هنا نشأت فكرة العلاج بالطين (وهو التراب المبتل بالماء) خاصة بالطين الناتج عن ثورات البراكين والذي ثبتت قدرته على إبادة أكثر الجراثيم مقاومة للمضادات الحيوية. ففي تجارب متعددة ثبت أن الطين يستطيع القضاء على مستعمرة من الجراثيم خلال فترة 24 ساعة, وأن هذه المستعمرة لها القدرة على التكاثر إلى 45 مرة ضعف عددها في نفس هذه الفترة الزمنية.

وقد قامت الطبيبة الفرنسية لينيه برونيه دي كورس بإثبات خصائص شفائية للطين الفرنسي الأخضر, واستعملته كمضاد حيوي للعلاج من عدد من الأمراض في كل من كينيا وساحل العاج, وقد وصفت منظمة الصحة العالمية النتائج التي حصلت عليها بأنها نتائج رائعة.



كذلك أثبتت الدكتورة ليندا وليامز Linda Williams)) أن في الطين مواد معقمة عديدة تكبح نشاط الجراثيم وتقضي عليها . و يقول دكتور هايدل Haydel)) أحد علماء الأحياء الدقيقة أنه استطاع إثبات أن التراب مادة مطهرة. وفي عددها الصادر في سنة 2006م أوردت "مجلة العالم الجديد" بحثا للدكتور يون وانج (june wang) من مختبرات شركة ميرك (Merck Research Laboratory) أن بعض أنواع التربة في جنوب أفريقيا تحوي بكتيريا منتجة لعدد من الضادات الحيوية النافعة.

ومن هنا يتضح وجه من أوجه الإعجاز العلمي في التيمم إذا افتقد الماء أو تعذر استخدامه لأسباب صحية, وقد كان مفهوم المسلمين عن التيمم أنه عمل رمزي يوحي إيحاء معنويا بالطهارة البدنية مما ينعكس انعكاسا مباشرا على طهارة كل من القلب والوجدان والشعور, ولكن يأتي العلم ليثبت أن التراب الدقيق في الصعيد الطاهر يحوي عددا من المضادات الحيوية التي يمكنها من تطهير كل من الكفين والوجه والذراعين مما يكون قد علق بها من مسببات الأمراض, فيفعل فعل الماء في ذلك, خاصة وأن الصعيد الطهور يعرف بالتراب الذي له غبار, فإن لم يكن له غبار فلا يصح التيمم به.

ولعل هذه النتائج تذكرنا بحديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي قال فيه: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" (أخرجه الإمام مسلم).

ومن المعجزات العلمية في هذا الحديث الشريف قوله- صلى الله عليه وسلم- : " أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" حتى تقضي المضادات الحيوية الموجودة في التراب على ما يكون لعاب الكلب قد حمله إلى الإناء من مسببات الأمراض, وذلك لأن الكلب من الحيوانات الآكلة للحوم النيئة والمستوية على حد سواء, ولذلك تتجمع في أمعائه أعداد من الديدان الضارة بالإنسان. وهذه الديدان تبيض بمعدلات كبيرة, ويخرج بيضها مع براز الكلب الذي كثيرا ما ينظف بدنه بلسانه, فيعلق به بيض تلك الديدان الذي سرعان ما ينتشر بلعابه فإذا لعق الكلب شيئا من الآنية أوالملابس أوالفراش فإن لعابه يلحق بها شيئا من تلك الديدان وبيوضها, ومن تلك الديدان الدودة الشريطية التي لا يقضي عليها ولا على بيضها مجرد الغسل بالماء والصابون, ومن هنا كانت وصية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بغسل كل ما يلعقه الكلب سبع مرات أولاهن بالتراب لما في التراب من مضادات حيوية هي كفيلة بالقضاء على تلك الديدان وبيضها.

وهنا أيضا نرى في التيمم صورة من صور التطهر الفعلي من العديد من مسببات الأمراض, وليس مجرد التطهر الرمزي المعنوي كما قال الأولون, لأن أحدا لم يكن يتصور قبل أواخر القرن العشرين أن في هذه الهباءات الدقيقة من الغبار التي تثار من الصعيد الطيب عند الضرب عليه برفق بالكفين بنية التيمم يمكن أن تحمل من المضادات الحيوية ما يطهر الأجزاء المكشوفة من جسم الإنسان . ولذلك فليس المقصود من التيمم أن يعفر الإنسان وجهه ويديه بالتراب, ولكن المقصود أن تحمل الكفان المضروب بهما على الصعيد الطاهر من هباءات هذا التراب ما يعين على تحقيق قدر من التطهر مما يكون قد علق بالكفين والوجه واليدين من مسببات الأمراض, وهذه من أكثر أجزاء جسم الإنسان عرضة لذلك. وإن كان الأصل في العبادات أنها لا تعلل, وأن تمارس طاعة لله- تعالى- واقتداء برسوله. ولكن إذا فهمت الحكمة من العبادة فإن الإنسان يؤديها بطريقة أفضل, ويستمتع بأدائها متعة أكمل, ويؤجرعلى إتقان ذلك الأداء أجرا أوفى وأوفر, حتى في الحالات الإستثنائية كحالة التيمم في ظروف فقد الماء, أو العجز عن استعماله لأسباب مرضية أو أمنية كالخوف من عدو يحول بينه وبين الماء, سواء كان هذا العدو إنسانا أو حيوانا مفترسا, أو كالخوف من العطش المؤدي إلى شدة الأذى أو المفضي إلى الموت, إذا كان ما يحمل من الماء قليلا.

من هذا الاستعراض يتضح وجه الإعجاز التشريعي والعلمي في التيمم مما يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية كما يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة, فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ الدكتور زغلول راغب النجار
http://www.elnaggarzr.com

0 :التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Subscribe to RSS Email me